هل تسبب عمليةُ تكميم المعدة السرطانَ فعلاً؟

هل تسبب عمليةُ تكميم المعدة السرطانَ فعلاً؟
وقت القراءة المتوقّع 6 دقائق

يراود هذا السؤالُ الكثيرَ من الراغبين بتخفيض وزنهم بواسطة عملية تكميم المعدة أو ما يدعى بجراحة علاج السمنة أو جراحة إنقاص الوزن. إذ انتشر في الآونة الأخيرة بعض الأخبار عن أن هذه العملية قد تسبب سرطان الكولون وسرطان المري. فهل يسبب تكميم المعدة السرطان فعلاً؟ سنجيب في هذه المقالة عن هذا السؤال بالتفصيل، وسنبدأ حديثنا بلمحتين مختصرتين عن البدانة وعملية تكميم المعدة، وبإمكانك تجاوزهما إلى الموضوع الرئيسي.

لمحة عن البدانة

تعد البدانة مرض العصر الحديث. فالتقدم الكبير في التكنولوجيا وما سببته من قلة في الحركة أدت لإصابة ملياري شخص من أصل سبع مليارات في العالم بزيادة الوزن والسُمنة. وأصبحت البدانة ثاني أكثر سبب إحداثاً للوفاة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد التدخين.

تسبب زيادة الوزن أمراضاً متنوعة أهمها السكري II (أو ما يدعى بالسكري الكهلي) وأمراض القلب والشرايين وارتفاع الضغط والمتلازمة الاستقلابية وغيرها. كما تشير الدراسات إلى أن البدانة تفاقم وتُحدِث 13 نوعاً من السرطانات. ومن أهم السرطانات التي تفاقمها البدانة كل من سرطان الثدي وسرطان باطن الرحم وسرطان الدرق والكولون والكلية والكبد والبنكرياس وغيرها. [1] كل هذه الأسباب دفعت الأطباء والجهات الصحية لتركيز اهتمامها على إيجاد وسائل لتخفيض الوزن. ومن هذه الوسائل تغيير نمط الحياة وممارسة الرياضة وتناول أنظمة غذائية صحية وتناول بعض الأدوية التي تساعد على تخفيض الوزن كالميتفورمين، ويأتي في آخر هذه القائمة عملية تكميم المعدة.

يمكنك معرفة الوزن المثالي لك وقياس مشعر كتلة جسمك عن طريق المقالة التالية: ما هو الوزن المثالي وكيف يمكن حساب مشعر كتلة الجسم BMI؟

لمحة عن عملية تكميم المعدة (تصغير المعدة)

كما ذكرنا سابقاً فإن عملية تكميم المعدة هي آخر حلول تخفيض الوزن. ولا تُجرى إلا في حالات محددة يستعصي فيها العلاج بالوسائل الأخرى، أو تكون فيها السمنة شديدة أو مهددة للحياة أو تسبب أمراضاً أخرى. وهنا تملك عملية تكميم المعدة معدل فعاليّة عالياً جداً بالمقارنة مع وسائل تخفيض الوزن الأخرى. إذ ينخفض الوزن سريعاً وخلال السنة الأولى التالية للعملية. كما أنها عملية ناجحة وقليلة الاختلاطات وتقي من الكثير من الأمراض الأخرى الناتجة عن البدانة.

يمكن أن يجرى تكميم المعدة بالجراحة التقليدية ولكنها تجرى غالباً بالتنظير. ولها تأثيرٌ كبير على الجسم واستقلابه، ولذلك فإن من مساوئها أن على المريض اتباع نظام غذائي والالتزام بمجموعة من التعليمات الصحية والمتابعة مع طبيبه لفترة طويلة. كما لا يمكن التراجع عنها بعد القيام بها في معظم الحالات.

يمكنك التعرف على عملية تكميم المعدة بالتفصيل في المقالة التالية: تكميم المعدة: الدليل الشامل لعمليات تصغير المعدة وتخفيف الوزن

هل يسبب تكميم المعدة السرطان؟

هل يسبب تكميم المعدة السرطانات النسائية؟

تزيد البدانة من معدّل حدوث سرطانات النساء (وخاصة سرطان الثدي وسرطان باطن الرحم). وذلك لأن أنزيم الأروماتاز -الذي يتركّز في النسيج الشحمي- يزيد من إنتاج الهرمون الأنثوي الأستروجين. تعد المستويات العالية من هذا الهرمون مسؤولة عن حدوث سرطان الثدي وسرطان باطن الرحم. لذلك فإن جراحة تكميم المعدة التي تُخفّض الوزن بسرعة تُخفّض من نسبة حدوث هذه الأنواع من السرطان بنسبة 42% أيضاً. أي أن لجراحة تخفيض الوزن تأثير وقائي من سرطان الثدي وسرطان باطن الرحم.

أما بالنسبة للرجال فهذا التأثير غير موجود لعدم وجود هرمون الأستروجين لديهم. ولكن لوحظ في الرجال الذين أجروا تكميم المعدة انخفاضاً في معدّل الإصابة بسرطان البروستات، وهو ثاني أشيع السرطانات عند الرجال بعد سرطان الرئة.

يجدر بالذكر أنه لا تحدث هذه التأثيرات الوقائية عند اتباع وسائل تخفيض الوزن الأخرى، كممارسة الرياضة وتغيير النظام الغذائي وتناول الأدوية الخافضة للوزن.

ماذا عن السرطانات الأخرى؟

لوحظ أيضاً انخفاض معدلات حدوث السرطانات الناتجة عن البدانة، وومنها سرطان المبيض والكلية والدرق والكبد والبنكرياس وغيرها. [2]

أما بالنسبة لسرطان المريء فقد لاحظت الدراسات القديمة ارتفاعاً في معدل حدوث هذا السرطان نتيجة لارتجاع الطعام المهضوم إلى المريء من المعدة. ولذلك طُوّرت الجراحة ليُطبّق إجراء مضاد للارتجاع المريئي وبالتالي الوقاية من الإصابة بهذا السرطان. وفي الدراسات الحديثة بعد تطبيق هذا الإجراء لوحظ انخفاض في معدّل حدوث سرطان المريء هذا.

أظهرت دراسة قديمة أيضاً ارتفاعاً في معدل حدوث سرطان الكولون بعد عملية تكميم المعدة. ولكن الدراسات الحديثة كشفت عدم وجود أي ارتفاع في نسب الإصابة بهذا السرطان. وعزت ذلك للتقنية الجراحية القديمة التي كانت تُطبق قبل عام 2009 وإلى نقاطٍ أخرى كثيرة تؤخذ على تلك الدراسة. ولذلك أشارت آخر الدراسات لعام 2020 إلى عدم وجود دليل يثبت ارتفاع معدل حدوث سرطان الكولون. وأكّدت على أن هذا يجب ألّا يؤثر على قرار إجراء العمل الجراحي.

أشيع السرطانات في العالم

ما سبب إحداث البدانة للسرطان؟

كما ذكرنا سابقاً فإن أنزيم الأروماتاز الذي يَنشط في البدانة يسهم بمفاقمة وإحداث كثير من السرطانات وخاصة السرطانات النسائية بإنتاجه للهرمون الأنثوي الأستروجين. لوحظ أيضاً أن هرمون الأنسولين والـIGF-1 اللذان يُنتَجان بكثرة عند الإصابة بالسكري الناتج عن البدانة مسؤولان عن إحداث مجموعة من السرطانات والتي تدعى بسرطانات البدانة، ومنها سرطان الكلية والكبد والبنكرياس والدرق والسرطانات النسائية. وأخيراً فإن النسيج الشحمي والعوامل الالتهابية التي يطلقها تعد عوامل مسرطنة خطيرة على المدى الطويل.

كيف تؤثر عملية تكميم المعدة على السرطان؟

إن الإنقاص السريع لكل العوامل السابقة -والذي يحدث في عملية تكميم المعدة ولا يحدث عند اتباع وسائل تخفيف الوزن الأخرى- هو العامل الأساسي في انخفاض معدّل حدوث السرطانات بعد عملية تكميم المعدة. كما أن إعطاء خافضات الشحوم بعد العمل الجراحي، واتباع نظام غذائي خاص، وتصحيح الاضطرابات في جراثيم الأمعاء (الفلورا المعوية) تساهم أيضاً بتخفيض معدل السرطان. يذكر أن نقص الألياف في الحمية الغذائية المتبعة بعد العمل الجراحي قد تفسر الارتفاع في معدل حدوث سرطان الكولون الذي ذكرته بعض الدراسات، إلا أن ذلك غير مدعوم بالدليل كما ذكرنا.

هل يمكن إجراء هذه العملية بهدف تخفيض معدل الإصابة بالسرطان وليس لتخفيف الوزن؟

لا، فهذه العملية معقدة، ويجب بعدها اتباع نظام غذائي صارم والالتزام بتعليمات الطبيب ومتابعته لفترة طويلة. ولا تُجرى هذه العملية إلا في حالات محددة من البدانة الشديدة أو المهددة للحياة أو في حال فشل إجراءات تخفيف الوزن الأخرى. وإحصائياً فإن علينا أن نجري 71 عملية تكميم معدة حتى نتمكّن من تجنّب حدوث إصابة واحدة بالسرطان. ولذلك فإن هذه العملية لا تستخدم للوقاية من السرطان وإنما تترافق عند إجرائها بانخفاض في معدل حدوثه.

ما هي فوائد جراحة تكميم المعدة الأخرى؟

تقي وتخفض جراحة تكميم المعدة من:

  • أمراض القلب والشرايين
  • ارتفاع الضغط الشرياني
  • اضطرابات شحوم الدم وارتفاع الكوليسترول الضار
  • السكري من النمط الثاني (الكهلي)
  • كما أن تأثيرها الخافض للوزن دائم وثابت بالمقارنة مع إجراءات تخفيف الوزن الأخرى

يجب أن نذكر في النهاية أن تكميم المعدة لا يمنع حدوث السرطان كلياً، بل يخفّض معدل حدوث السرطان ليصبح مساوياً للأشخاص الطبيعيين غير البدينين. أي أن تكميم المعدة يخفّض معدل حدوث السرطان الذي ارتفع أصلاً بسبب البدانة. ولذلك أكدت الدراسات على ضرورة الاستمرار بإجراءات الوقاية والكشف المبكر لكل هذه السرطانات تماماً كبقية أفراد المجتمع (كإجراءات الكشف المبكر عن سرطان الثدي).

وهكذا نجد أن عملية تكميم المعدة مفيدة جداً وذات نسب نجاح عالية وقليلة الاختلاطات، كما تفوق فعاليتها في تخفيف الوزن كل الإجراءات الأخرى. ولذلك فإنها الخيار الأمثل لتخفيض الوزن عندما ينصح بذلك الطبيب المختص.

المصادر:

اترك تعليقاً