لماذا نحب العمل التطوعي أكثر من العمل المدفوع؟ حسب علم النفس

لماذا نحب العمل التطوعي أكثر من العمل المدفوع؟ حسب علم النفس
وقت القراءة المتوقّع 5 دقائق

من منّا يحب عمله؟ هل لاحظت أن الكثير من الموظفين يكرهون وظيفتهم؟! ما السبب وراء ذلك برأيك…
هل جرّبت أن تقوم بعمل تطوعي دون مقابل؟ ألم تشعر أن عملك هذا له قيمة أكثر من عملك المدفوع؟ أو أنك استمتعت به وأحببته أكثر من عملك المدفوع؟
سنحاول في هذه المقالة شرح أحد الأسباب التي تكمن خلف حبنا للعمل التطوعي أكثر من غيره وفقاً لعلم النفس.

في إحدى الدراسات التي أجراها بعض العلماء في مجال علم النفس، قاموا بإحضار مجموعةً من الأشخاص وطلبوا منهم أن يقوموا بشيء ممل ورتيب جداً (كجلي الصحون أو جز العشب أو تنقية البرغل). ثم أعطوا نصفهم دولاراً واحداً مقابل ذلك (كمية قليلة جداً من المال)، وأعطوا نصفهم الآخر عشرين دولاراً (كمية كبيرة جداً من المال مقابل عملٍ لا يتطلب أي جهد). ثم طلبوا من هاتين المجموعتين أن يُقيّموا هذا العمل بصدق وشفافية.

النتيجة الصادمة كانت أن مجموعة الأشخاص الذين أخذوا دولاراً واحداً قيّموا هذا العمل على أنه ممتع أكثر من المجموعة التي تحصّلت على عشرين دولاراً، فما تفسير ذلك؟

أمّا بالنسبة للمجموعة التي حصلت على عشرين دولاراً مقابل عملها فالتفسير بسيط جداً: وهو أن هذه المجموعة تملك مبرراً كافياً لتحب هذا العمل فعلاً وتجده ممتعاً، فقد حصلت على عشرين دولاراً كاملاً مقابل هذا العمل.
أما من حصل على دولار واحد فإن دماغه سيحاول أن يجد سبباً منطقياً لقيامه بهذا العمل، فيقول لنفسه: “ربما استمتعت فعلاً بهذا العمل حتى أتممته”.

لنأخذ مثالاً آخر أكثر واقعية…
لنفترض أنك وبهدف أن تنضم لمجموعة معينة تعرّضت لموقف محرج. أوجدتْ الدراسات أن هذا الموقف سيُعزز ارتباطك وانتمائك لهذه المجموعة، وكأن عقلك يقول لك: “ربما كان الانضمام إلى هذه المجموعة يستحق الوقوع في موقف محرج”. يرفعُ عقلك بذلك ويزيدُ من مكانة هذه المجموعة في نفسك.

وبالعودة إلى مثال العمل التطوعي والعمل المدفوع…

فإن التفسير ببساطة هو أنك تكتسب مالاً من عملك المدفوع، وبالتالي لا حاجة لأن تحبه كي تقوم به.
بينما في عملك التطوعي فإن دماغك سيحاول أن يقنع ذاته بهذا العمل، وذلك عن طريق شعور الحب أو المتعة أو غيره مما يربطك بهذا العمل. لأن ذاتك تحاول -بغير وعي منك- أن توجد سبباً مقنعاً لعملك التطوعي هذا. أو كما يُقال: “to make your mind consistent” بمعنى أن دماغك يحاول ربط الأشياء التي تفكر بها وترتيبها بحيث تكون متناسقة ومنطقية وغير متنافرة مع ما يوجد مسبقاً فيه.

volunteer work العمل التطوعي

بمصطلحات علم النفس Psychology…

هذه الظاهرة تنتمي لإحدى الانحيازات التي نمارسها يومياً والموجودة فينا بشكل طبيعي وتُدعى Insufficient Justification Effect.
يقول Festinger في نظريته Cognitive Dissonance Theory: “يجب أن يكون العمل الذي نقوم به منطقياً في عقلنا، فإذا تعارض شيءٌ ما مع المنطق الطبيعي وما تحويه عقولنا من معلومات مسبقة، فإنها ستحاول تخفيض الشعور بعدم الانسجام وانعدام المنطقية هذا؛ وذلك عن طريق إيجاد تبرير لعملك”.
يجب أن نذكر أن انعدام التوافق هذا -الذي يحاول الدماغ إزالته- يمكن أن يكون بين أي شيئين، سواءً فكرتين متناقضتين أو فكرة وتصرّف مخالف لها.

ربما تُفكّر الآن: “هل هذا يعني أنني أحاول رفض الأفكار التي تتناقض مع المعلومات الموجودة مسبقاً في دماغي؟”

تماماً، هذا بالفعل ما كنت أود إضافته، ويُدعى ذلك في علم النفس بـavoiding inconsistent
information أي أننا بفطرتنا نتجنّب المعلومات التي تتحدى عقولنا لأنها تؤدي لتنافر وعدم انسجام أو منطقية في دماغنا أو ما يُدعى بالتنافر المعرفي Cognitive Dissonance، بينما يُفضّل دماغنا أن يكون كل شيء مرتباً ومتناسقاً ومنطقياً. وهذا الانحياز الفطري يُدعى بـConfirmation bias

كيف يمكننا الاستفادة من ذلك في حياتنا العملية…

من إحدى النصائح التي تضمنها كتاب “كيف تجعل عدوّك يحبك” النصيحة التالية: “اذهب إلى عدوك واطلب منه أن يقوم بإسداء معروف لك”. وهنا يستطيع الـCognitive Dissonance أو التنافر المعرفي تفسيرها كالتالي: إذا طلبت من عدوك أن يُسدي لك معروفاً فإنه سيشعر وكأنه مجبر على إسداء هذا المعروف، وعندما يقوم به فإنه سيحاول إيجاد سبب منطقي لقيامه بهذا المعروف، ومن ثم يقتنع كلياً بأنه فعل ذلك لأنه يحبك فعلاً.

من الأمثلة الأخرى على ذلك في الحياة العملية…

بعض الآباء يعرفون أن من الخطأ منح أطفالهم جائزةً ليقوموا بشيء ما (كأن يدفعوا لهم مالاً مقابل قراءتهم لكتبهم أو دراستهم)، وهذا أمر صحيح فعلاً.
من وجهة نظر نفسية، إذا دُفع للأطفال ليدرسوا مثلاً فإنهم سيعتقدون ويفكرون كالتالي: “أنا أدرس لأحصل على تلك الجائزة”. ولكن إذا استطاع الآباء إقناع أبنائهم بالدراسة -أو غيرها- بدون أن يمنحوهم أي جائزة مقابل ذلك، فهذا من شأنه أن يعزز ارتباطهم بالدراسة أو غيرها من مبدأ “ربما أنا أحب الدراسة فعلاً” الذي ذكرناه، أي يعززوا ارتباطهم بالواجب المتمثل بالدراسة من خلال آلية إيجاد تفسير للاقتناع بالقيام بشيء معين بهدف منطقة ذلك، أو ما يُدعى بالـInsufficient Justification Effect.

A group of family eating breakfast

أخيراً، لا توجد تفسيرات واضحة توضّح آلية عمل التنافر المعرفي Cognitive Dissonance هذا. ولكن مما لا شك فيه على الإطلاق أنه موجود وحقيقي فعلاً، ويؤثر علينا وعلى حيواتنا وتعاملنا مع المواقف، ومن المفيد استيعابه -وبالتالي استيعاب أنفسنا- لنعرف كيف نتصرف في مواقف مشابهة.

تكلّمنا اليوم عن أحد الانحيازات الفطرية الموجودة في عقولنا بشكل طبيعي، هل تعتقدون أن هناك انحيازات أخرى؟ شاركونا ردودكم وتوقعاتكم…
وبالنسبة للإجابة على هذا السؤال، فأجل، هناك انحيازات أخرى متأصلة في النفس البشرية وسنحاول في الأسابيع القادمة التحدّث عنها أيضاً فكونوا على الموعد.

لقراءة المزيد عن هذا الموضوع وغيره من مواضيع علم النفس الاجتماعي يُمكنك الاطلاع على أحد المصادر التي استخدمت لكتابة هذا المقال من خلال الرابط التالي

Comments ( 4 )

  1. Bayan
    المقال مفيد جداً في انتظار القادم.
  2. م. محمد النحاس
    سلمت الانامل دكتور حمزه
    • Hamzeh Koumakli
      سلّمك الله أستاذي الغالي، شكراً جزيلاً لدعمك

اترك تعليقاً